ترند ريل
رئيس مجلس الإدارة
نور العاشق

برادا تستحضر الذاكرة المادية للأقمشة: حين يتحوّل الأرشيف إلى رؤية مستقبلية

ارشيف برادا
ارشيف برادا

في قلب توسكانا الإيطالية، وتحديدًا في ليفانيلا، يحتضن أرشيف أقمشة prada ذاكرة مادية نادرة لعالم الموضة، ذاكرة لا تُحفظ بالكلمات أو الصور وحدها، بل بالخيوط، والأنسجة، والملمس. هناك، تتحوّل الأقمشة إلى وثائق حية، تروي تاريخ دار لم تنظر يومًا إلى الماضي بوصفه زمنًا منتهيًا، بل باعتباره مادة خام للمستقبل.

ويُعد أرشيف أقمشة برادا واحدًا من أكثر الأرشيفات تفرّدًا في صناعة الأزياء الفاخرة، إذ يضم آلاف العينات التي تعود لعقود مختلفة، تمثل تجارب الدار في التطريز، والطباعة، والتقنيات النسيجية المتقدمة. من بين هذه الكنوز، يبرز تطريز الـGrisaille، المستوحى من تقنية فنية كلاسيكية تعتمد على تدرجات الرمادي، لكن برادا تعيد تفسيره عبر عدسة معاصرة، مستخدمة شبكة كريستالية تمنح السطح بعدًا ضوئيًا نابضًا بالحياة.

الشبكة الكريستالية ليست مجرد عنصر زخرفي، بل لغة تصميمية تعبّر عن التقاء الحِرَفية التقليدية بالتكنولوجيا الحديثة. أما النايلون التقني، الذي ارتبط باسم برادا منذ تسعينيات القرن الماضي، فيظهر هنا بوصفه مادة ذاكرة، قادرة على الاحتفاظ بشكلها وسردها الخاص، بعد أن يُفصّل بعناية ليتحوّل إلى قصّات تحمل توقيع الدار الجريء والرصين في آن واحد.

وفي هذا الأرشيف، “تتحدث القصّات أعلى من الكلمات”، كما لو أن كل تصميم هو شهادة زمنية على لحظة فكرية أو جمالية عاشتها برادا. آلاف اللحظات المجمدة في تفاصيل دقيقة، من خيوط مطرّزة يدويًا، إلى أقمشة صناعية خضعت لتجارب مبتكرة، تعكس فلسفة الدار التي ترى في الموضة حوارًا مستمرًا بين الفن، والصناعة، والذاكرة.

ولا يقتصر دور أرشيف أقمشة برادا على الحفظ فقط، بل يُعد مصدر إلهام أساسي للمجموعات المعاصرة. فالمصممون يعودون إليه لاستخلاص أفكار جديدة، أو لإعادة قراءة خامات قديمة بروح زمن مختلف، في عملية إبداعية تُجسّد الشعار غير المعلن للدار: حيث يصبح التاريخ مستقبلًا، والماضي مساحة للتجديد لا للتكرار.

وختاما أرشيف أقمشة برادا في ليفانيلا ليس مجرد مخزن للمواد، بل هو ذاكرة حيّة لهوية دار أعادت تعريف العلاقة بين الأقمشة والفكر. من تطريز الغريزاي إلى الشبكات الكريستالية والنايلون التقني، تواصل برادا تأكيد أن الموضة ليست عابرة، بل سجلّ بصري وحسّي، يحمل في طياته تاريخًا يُعاد تفصيله باستمرار ليصنع المستقبل.

تم نسخ الرابط