من القناديل إلى الخيامية.. كيف تطورت زينة رمضان عبر العصور؟
تتحول الشوارع مع اقتراب شهر رمضان إلى لوحات مضيئة تنبض بالحياة، حيث تتدلى الزينة من الشرفات، وتنتشر الفوانيس بألوانها المتنوعة، لتعلن بداية موسم مختلف تتداخل فيه الروحانية مع الفرح الشعبي. ولم تكن هذه المظاهر وليدة العصر الحديث، بل امتدت جذورها عبر قرون طويلة، حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من الهوية الرمضانية في مصر.
البدايات الأولى لفكرة الزينة في رمضان
يرتبط أصل زينة رمضان بمحاولات مبكرة لإضاءة المساجد في المناسبات الدينية، حيث كانت القناديل والمصابيح الزيتية الوسيلة الأساسية لإنارة دور العبادة، خاصة في الليالي التي يكثر فيها أداء الصلاة والقيام. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الإضاءة من ضرورة عملية إلى مظهر احتفالي يعكس خصوصية الشهر الكريم.
وفق ما جاء في كتاب "دليل الأوائل" للكاتب إبراهيم مرزوق، تشير بعض الروايات التاريخية إلى أن الصحابي الجليل تميم بن أوس الداري كان من أوائل من اهتموا بإضاءة المساجد بالقناديل، خصوصًا في ليالي الجمعة، لما لها من مكانة خاصة، كما تُذكر روايات أخرى أن الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان له دور في الاهتمام بإضاءة المساجد مع قدوم شهر رمضان، بهدف تهيئة الأجواء لأداء الصلوات والقيام ليلًا، وهو ما أسهم في ترسيخ تقليد الإضاءة المرتبط بالشهر الكريم.
العصر الفاطمي وترسيخ الطابع الاحتفالي
شهد عصر الدولة الفاطمية تطورًا واضحًا في مظاهر الاحتفال برمضان، إذ ازداد الاهتمام بإظهار البهجة في الشوارع والمساجد على نطاق أوسع. في هذه المرحلة، لم تقتصر الإضاءة على داخل المساجد، بل امتدت إلى الميادين والطرقات، لتتحول إلى مشهد جماعي يعبر عن استقبال الشهر الكريم.
كما ارتبطت بعض الروايات بظهور الفانوس في هذه الفترة، سواء في سياق استقبال الشخصيات المهمة ليلًا أو كوسيلة تنظيمية للإضاءة في الشوارع، ومن هنا بدأ الفانوس يأخذ مكانته الرمزية في الثقافة الشعبية.
العصر المملوكي وتوسع مظاهر الزينة
في العصر المملوكي استمر الاهتمام بإضاءة المساجد وتعزيز الأجواء الرمضانية، مع زيادة استخدام القناديل في المساجد والميادين. وأصبحت الزينة أكثر وضوحًا في الحياة العامة، ولم تعد مقتصرة على دور العبادة فقط، بل بدأت تعكس طابعًا احتفاليًا يشمل المجتمع بأكمله.
هذه المرحلة ساهمت في تثبيت مفهوم الزينة كجزء من تقاليد الشهر، وليس مجرد ممارسة عابرة.
الزينة الشعبية وتطور الأشكال
في مراحل مبكرة، اعتمدت الزينة على القناديل والمصابيح الزيتية التي كانت تُعلق في المساجد والميادين في فترة عهد الدولة الطولونية، لتمنح المكان إضاءة مميزة خلال ليالي رمضان. ومع تطور الزمن، ظهرت تصاميم جديدة تعتمد على الورق الملون والرايات والأشكال الهندسية مثل المثلثات والمربعات، التي كانت تُصنع يدويًا وتُعلق بين الشرفات وفي الشوارع.
ومع تطور المواد والتقنيات، أصبح استخدام الأقمشة المزخرفة جزءًا أساسيًا من المشهد الرمضاني، وعلى رأسها قماش الخيامية بألوانه ونقوشه التراثية، الذي ارتبط بالبيوت والشوادر الرمضانية وأضفى على الأجواء طابعًا فنيًا مميزًا مستمدًا من التراث.
الفانوس بين التراث والهوية المعاصرة
تحول الفانوس عبر الزمن من أداة للإضاءة إلى رمز رمضاني يحمل معاني الفرح والطفولة والاحتفال. وتطورت صناعته في الأسواق القديمة، وتنوعت أشكاله وأحجامه، حتى أصبح عنصرًا ثابتًا في المشهد الرمضاني، يجمع بين البعد التاريخي والهوية الشعبية.
وفي العصر الحديث، تنوعت تصميمات الزينة لتشمل مواد خفيفة وأشكال مطبوعة، مع الحفاظ على الروح الأصلية التي تقوم على إضفاء النور والبهجة في الشوارع والمنازل.