أكتوبر الوردي بعيون الفن.. قصص عن المرض والخوف والانتصار "تقرير"
مع حلول شهر أكتوبر من كل عام، يعود الحديث عن سرطان الثدي، أحد أكثر الأمراض التي تواجه النساء حول العالم، مع انطلاق فعاليات وحملات التوعية التي تحمل شعار «أكتوبر الوردي».
ولا يقتصر الحديث عن المرض خلال هذا الشهر على الجانب الطبي فقط، إذ كان للفن حضور واضح في طرح القضية والتعامل معها من زوايا مختلفة، سواء من خلال السينما أو الدراما ، حيث قدم عدد من الفنانين قصصا عن سيدات واجهن المرض، وأخريات عاششن الخوف من الإصابة به، إلى جانب تجارب حقيقية تحولت إلى رسائل توعية ودعم للنساء.
وخلال السنوات الماضية، حاولت أعمال فنية مصرية وعربية الاقتراب من التفاصيل الإنسانية المرتبطة بالمرض، بداية من لحظة اكتشاف الإصابة، مرورا بالخوف والقلق ورحلة العلاج، وصولا إلى مرحلة التعافي والعودة إلى الحياة بشكل طبيعي.
ولعل أهم ما قدمه الفن في هذا الملف أنه نقل سرطان الثدي من كونه مجرد قضية طبية إلى حكاية إنسانية يعيش تفاصيلها المشاهد مع أبطال العمل، وهو ما جعل بعض هذه التجارب أكثر تأثيرا وقدرة على الوصول إلى الجمهور.
«فرح ليلى».. الخوف من الإصابة يتحول إلى هاجس

من الأعمال المصرية التي تناولت سرطان الثدي من زاوية مختلفة مسلسل «فرح ليلى» بطولة الفنانة ليلى علوي، حيث لم تكن البطلة مصابة بالمرض، لكنها عاشت سنوات طويلة وهي تخشى الإصابة به.
وتدور الأحداث حول «ليلى»، التي تجاوزت سن الأربعين دون زواج، وكانت تخشى الارتباط وتكوين أسرة بسبب تاريخ عائلتها مع سرطان الثدي، بعدما أصيبت به مجموعة من نساء الأسرة.
هذا الخوف أصبح جزءا أساسيا من حياتها، وأثر على قراراتها وعلاقاتها ونظرتها إلى المستقبل، وهو ما جعل المسلسل يناقش جانبا ربما لا يظهر كثيرا عند الحديث عن سرطان الثدي، وهو التأثير النفسي لفكرة المرض والخوف من الإصابة به.
وقدم العمل صورة للمرأة التي لا تعاني من المرض نفسه، لكنها تعيش تحت ضغط احتمالية الإصابة، خاصة عندما يكون هناك تاريخ عائلي مرتبط بالمرض.
ومن خلال شخصية ليلى، طرح المسلسل مجموعة من الأسئلة حول الخوف من المرض، وتأثيره على الحياة الشخصية، وهل يمكن أن يتحول القلق المستمر من الإصابة إلى سبب في إهدار فرص كثيرة في الحياة.
«حتة مني».. إلهام شاهين تقدم رحلة امرأة مع سرطان الثدي

وفي مسلسل «زي القمر»، جاءت حكاية «حتة مني» بطولة الفنانة إلهام شاهين، لتقدم واحدة من أكثر التجارب المصرية وضوحا في تناول سرطان الثدي.
وجسدت إلهام شاهين شخصية «حياة»، وهي امرأة تكتشف إصابتها بسرطان الثدي، لتبدأ رحلة طويلة من الصدمة والخوف ثم العلاج ومحاولة استعادة حياتها.
ركزت الحكاية على تفاصيل ربما تكون أكثر قسوة من مجرد تشخيص المرض، ومنها تأثير الإصابة على الحالة النفسية للمرأة، والخوف من العلاج، والتغيرات التي تحدث للجسد، إلى جانب فكرة استئصال الثدي وما يمكن أن تتركه من أثر على نظرة المرأة إلى نفسها.
كما ناقشت الحكاية دور الأسرة والمحيطين بالمريضة في هذه المرحلة، خاصة أن رحلة العلاج لا تكون جسدية فقط، وإنما تحتاج أيضا إلى دعم نفسي مستمر.
وكانت الرسالة الأهم في العمل مرتبطة بالكشف المبكر، حيث قدمت الشخصية نموذجا لامرأة لم تكن تهتم بشكل كاف بالفحوصات الطبية، قبل أن تكتشف إصابتها.
وجاءت الحكاية لتوجه رسالة مباشرة إلى النساء بأهمية الاهتمام بالصحة وعدم تأجيل الفحوصات، خاصة أن اكتشاف المرض في وقت مبكر يمكن أن يحدث فارقا كبيرا في رحلة العلاج.
الدراما العربية تفتح ملف سرطان الثدي
ولم تكن الدراما المصرية وحدها التي اهتمت بتناول سرطان الثدي، إذ ظهرت القضية في عدد من الأعمال العربية التي حاولت تقديم المرض من زوايا مختلفة.

ومن بين هذه التجارب مسلسل «من الآخر» اللبناني، الذي تناول من خلال إحدى شخصياته رحلة امرأة مصابة بسرطان الثدي، مع التركيز على الجانب الإنساني والنفسي للمرض.
كما ظهرت القضية في مسلسل «شهر 10»، الذي اقترب من عالم المرضى والأطباء، وقدم نماذج مختلفة للتعامل مع سرطان الثدي، وما يتركه من تأثير على المرأة وأسرتها.

وتختلف طريقة تناول المرض من عمل إلى آخر، لكن القاسم المشترك بينها كان محاولة التأكيد على أن الإصابة بالسرطان لا تعني توقف الحياة، وأن المريضة تحتاج إلى الدعم والمساندة بقدر حاجتها إلى العلاج الطبي.
الفن يقترب من الجانب النفسي للمرض
الملاحظ في الأعمال التي تناولت سرطان الثدي أن بعضها لم يركز فقط على الإصابة أو العلاج، وإنما اهتم بما يحدث للمرأة من الداخل.
ففي «فرح ليلى» كان الخوف من الإصابة هو محور القصة، وفي «حتة مني» ظهر أثر المرض على علاقة المرأة بجسدها وحياتها وأسرتها، بينما نقلت إليسا تجربتها الشخصية بكل ما حملته من خوف وتحديات.
وهذا الجانب مهم للغاية، لأن رحلة سرطان الثدي لا تتوقف عند زيارة الطبيب أو الخضوع للعلاج، وإنما تمتد إلى الحياة اليومية والعلاقات الأسرية والعمل والحالة النفسية.
كما أن ظهور شخصيات فنية تتحدث عن المرض ساعد في كسر حالة الصمت التي تحيط أحيانا بالسرطان، وأعطى الجمهور فرصة لرؤية نماذج مختلفة لنساء مررن بالتجربة واستطعن مواصلة حياتهن.
«أكتوبر الوردي».. الفن شريك في التوعية
ومع حلول شهر أكتوبر، تتجدد أهمية هذه الأعمال، خاصة أن «أكتوبر الوردي» أصبح مناسبة سنوية لتذكير النساء بأهمية الاهتمام بصحتهن والتعرف على طرق الوقاية والكشف المبكر.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن سرطان الثدي يعد من أكثر أنواع السرطان شيوعا بين النساء حول العالم، كما تشير إلى أهمية اكتشاف المرض في مراحله المبكرة والحصول على العلاج المناسب.
ومن هنا، يمكن النظر إلى الفن باعتباره شريكا في حملات التوعية، لأنه يصل إلى فئات واسعة من الجمهور بطريقة مختلفة عن الرسائل الطبية المباشرة.
فمشهد درامي يمكن أن يجعل المشاهد يتوقف أمام تجربة امرأة تشبهه أو تشبه واحدة من أفراد أسرته، وأغنية يمكن أن تصل إلى جمهور ربما لا يتابع الحملات الصحية، بينما قصة فنانة حقيقية يمكن أن تشجع امرأة أخرى على الحديث عن مخاوفها أو الاهتمام بفحوصاتها.
من شاشة التلفزيون إلى تجارب حقيقية
وخلال السنوات الماضية، تغير شكل تناول سرطان الثدي في الفن العربي. فلم يعد المرض مجرد وسيلة لإضافة عنصر درامي إلى الأحداث، وإنما أصبح في بعض الأعمال موضوعا رئيسيا يحمل رسالة واضحة.
وأصبح الجمهور يرى رحلة المريضة منذ لحظة اكتشاف الإصابة، وما يصاحبها من صدمة، ثم العلاج والعمليات والتغيرات النفسية، وصولا إلى التعافي ومحاولة العودة للحياة.
كما أن الحديث عن المرض من جانب فنانات خضن التجربة بأنفسهن أضاف بعدا مختلفا، لأن الجمهور لم يعد أمام شخصية درامية فقط، وإنما أمام إنسانة تتحدث عن تجربة عاشتها بالفعل.
قصص الألم تتحول إلى رسائل أمل
ربما لا يستطيع الفن أن يقدم علاجا للمرض، لكنه يستطيع أن يفعل شيئا آخر مهما، وهو أن يجعل الحديث عنه أسهل.
فالوعي يبدأ أحيانا من قصة نشاهدها، أو أغنية نسمعها، أو تجربة فنانة تقرر أن تتحدث بصراحة عن أصعب لحظات حياتها.
ومع «أكتوبر الوردي»، تعود هذه الأعمال لتؤكد أن مواجهة سرطان الثدي لا تحتاج إلى العلاج فقط، وإنما تحتاج أيضا إلى المعرفة والدعم والشجاعة، وأن وراء كل إصابة قصة إنسانة تستحق أن تسمع رسالة واحدة واضحة: المرض ليس نهاية الحكاية.



