ترند ريل
رئيس مجلس الإدارة
نور العاشق

ملف خاص: من بليغ والرحباني إلى عصر التريند: كيف عبرت لطيفة فوق فجوات الزمان وأفخاخ التغيير ؟

صاحبة حبك هادي
صاحبة حبك هادي


بين جيل "الكاسيت" الذي كانت تتربع على عرشه، وعصر "التريند" الذي تقتحمه اليوم برقيّ، تقف الفنانة التونسية لطيفة كحالة استثنائية في الأغنية العربية. لم تكن مجرد صوت مرّ بسلام، بل كانت مشروعاً فنياً صمد أمام زلازل التغيير الموسيقي، وتحولات الذائقة، وتعاقب الأجيال.
بينما سقطت أسماء لامعة في "فجوات الزمان"، استطاعت لطيفة أن تبني جسراً طويلاً يمتد من عبق مدرسة "بليغ حمدي" و"عبد الوهاب" وصولاً إلى إيقاعات "المينيمال" والذكاء الاصطناعي. فما هو السر وراء هذا الاستمرار الهادئ والواثق؟


1. التأسيس الأكاديمي وذكاء البدايات
لم تدخل لطيفة الساحة كهاوية، بل كطالبة علم في المعهد العالي للموسيقى العربية بالقاهرة. هذا التأسيس جعلها تفهم "خامة" صوتها قبل أن تغني بها. فيقول الناقد الموسيقي الراحل كمال النجمي في إحدى مقالاته: "لطيفة تمتلك صوتاً مثقفاً، هي تعرف متى تضغط على الحرف ومتى تتركه يسبح في فضاء اللحن، وهذا ذكاء لا يتوفر إلا لمن درس أصول النغم".

 


2. "التحالف العبقري" مع عمار الشريعي
لا يمكن قراءة مسيرة لطيفة دون الوقوف عند محطة الموسيقار عمار الشريعي. هذا الثنائي قدم مفهوماً جديداً لـ "الأغنية العصرية" في الثمانينيات والتسعينيات. الشريعي لم يلحن للطيفة فحسب، بل صهر صوتها في قوالب موسيقية كانت سابقة لعصرها (مثل "أكتر من روحي بحبك"). ويرى النقاد المتابعين لمسيرتها أن هذا التحالف منحها "هوية موسيقية" عصية على التقليد، وجعلها الوريثة الشرعية للتجديد الموسيقي.


3. المغامرة في اختيار الكلمة (مدرسة عبد الوهاب محمد)
استمرار لطيفة يعود جزئياً إلى جرأتها في اختيار الكلمات. بالتعاون مع الشاعر الكبير عبد الوهاب محمد، قدمت أغاني ناقشت قضايا اجتماعية وسياسية ونفسية بجرأة، مثل "أمنلي" و"استحالة". هذه الأغاني لم تكن مجرد "طقطوقة" عاطفية تنتهي بانتهاء الموسم، بل كانت نصوصاً أدبية عاشت طويلاً.

 


4. القدرة على "التمرد" وتغيير الجلد
في الوقت الذي كانت فيه لطيفة تُصنف كمطربة طربية، فاجأت الجميع في عام 2003 بـ "تغيير الجلد" كلياً في ألبوم "ماتروحش بعيد"، حيث تعاملت مع موزعين عالميين وإيقاعات غربية. هذا التمرد هو الذي أنقذها من فخ "النمطية". إذ قال وقتها الملحن زياد الرحباني الذي تعاون معها في ألبوم "معلومات أكيدة": "لطيفة لديها مرونة مدهشة، هي مطربة مطيعة للملحن لكنها متمردة على السائد، صوتها يحمل بحّة تونسية أصيلة لكنه يقبل التطوير والحداثة".

 

5. الحضور السينمائي والمسرحي النوعي
لم تستهلك لطيفة حضورها في أفلام تجارية باهتة، بل اختارت الدخول من الباب الكبير مع المخرج العالمي يوسف شاهين في فيلم "سكوت حنصور". أداء لطيفة لشخصية "لولا" لم يكن مجرد تمثيل، بل كان تكريساً لنجوميتها كفنانة شاملة. كما أن وقوفها على مسرح "بعلبك" في مسرحية "حكم الرعيان" لـ منصور الرحباني جعلها جزءاً من الإرث المسرحي العربي الراقي.

 


6. النأي عن "الصدامات" والتركيز على الفن
في عصر "السوشيال ميديا" المليء بالمعارك الوهمية، تميزت لطيفة بـ "الوجود الهادئ". لم تستخدم حياتها الشخصية كوقود للشهرة، بل ظلت أخبارها تتمحور حول أعمالها الفنية أو نشاطاتها الإنسانية. هذا الرقيّ الأخلاقي خلق لها "قاعدة جماهيرية وفية" تحترم فنها قبل شخصها، مما جعلها بمنأى عن حملات المقاطعة أو النسيان.


7. استيعاب التكنولوجيا (عصر 2026)
وصولاً إلى عام 2026، نجد لطيفة من أوائل الفنانات اللواتي استخدمن تقنيات "الميني ألبوم" (EP) والذكاء الاصطناعي في توزيع الموسيقى، دون أن تفقد "روحها" الشرقية. هي تدرك أن الزمن لا ينتظر أحداً، لذا فهي تسير بمحاذاته لا ضده.


كيف رآها النقاد والموسيقيين عبر الزمان ؟

 

لم تكن مسيرة لطيفة مجرد أرقام مبيعات، بل كانت محط أنظار كبار الملحنين والنقاد الذين رأوا فيها "خامة" طيعة للتشكيل الموسيقي المختلف. إليك رصد لما قيل في حق صوتها ومشروعها عبر العقود:


* موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب: في لقاء تاريخي جمعه بها في بداياتها، لم يكتفِ بالإعجاب بصوتها، بل قال كلمته الشهيرة التي أصبحت وساماً على صدرها: "يا شابة.. صوتكِ فيه رنة الفضة، ولديكِ ذكاء موسيقي يسبق سنكِ بكثير". كان عبد الوهاب يرى في بحتها التونسية "جواز مرور" لا يحتاج إلى تأشيرة لدخول قلوب المصريين.
 

* بليغ حمدي (عبقري الألحان):
  رغم أن التعاون بينهما لم يمتد طويلاً، إلا أن بليغ قال عنها في إحدى جلساته الفنية: "لطيفة تمتلك حنجرة قادرة على أداء 'المودرن' بذات الكفاءة التي تؤدي بها 'الطرب الكلاسيكي'.. إنها صوت لا يشيخ لأنه متصالح مع إيقاع العصر".
 

* عمار الشريعي (رفيق الدرب):
  كان الشريعي يعتبرها "ابنته الفنية"، وصرح في برنامجه الشهير "غواص في بحر النغم": "لطيفة هي المطربة الوحيدة التي أستطيع أن أجرب معها أصعب المقامات الموسيقية وأنا مطمئن أنها ستؤديها بوعي أكاديمي. هي ليست مجرد مؤدية، بل هي شريكة في صناعة اللحن".
 

* منصور وزياد الرحباني:
  في لبنان، كان للرحبانية رأي مغاير؛ فبينما رأى فيها منصور الرحباني "صوت المسرح القوي" القادر على تجسيد الشخصيات التاريخية، وصفها زياد الرحباني بأنها "مطربة خارج القطيع". وأضاف زياد في حوار صحفي: "تعاونت مع لطيفة لأنها تملك جرأة المغامرة؛ صوتها يحمل حزناً نبيلاً وفرحاً منضبطاً، وهذا المزيج هو ما أبحث عنه في أعمالي".
 

* سيد مكاوي:
  "شيخ الملحنين" الذي أثنى على مخارج حروفها، قائلاً: "لطيفة تنطق الكلمة وكأنها تتذوقها، وهذا سر وصول إحساسها للناس بسرعة، فهي لا تغني من حنجرتها فقط، بل من وعيها بالكلمة".
 

* الناقد الفني طارق الشناوي:
  يحلل الشناوي استمراريتها في 2026 قائلاً: "لطيفة هي 'السهل الممتنع'. ذكاؤها يكمن في أنها عرفت كيف تخرج من عباءة عمار الشريعي لتلبس عباءة زياد الرحباني، ثم تنطلق لتعانق جيل الشباب اليوم. هي لا تخشى 'التريند' لأنها تملك 'التاريخ' الذي يحميها".
 

* الموسيقار حلمي بكر:
  رغم هجومه المستمر على الكثير من الأصوات، إلا أنه كان ينصف لطيفة دائماً بقوله: "لطيفة هي تلميذة المعهد العالي للموسيقى العربية بامتياز؛ هي تعرف كيف تتنفس، وكيف توفر جهدها الصوتي للمناطق التي تحتاج قوة، وهذا هو الفرق بين 'المطربة' وبين 'المؤدية'".
 

* صلاح الشرنوبي:
  مبتكر ألحان "التسعينيات الذهبية" قال عنها: "لطيفة كانت المحرك الأساسي لنجاح الأغنية العربية السريعة الراقية في التسعينيات. صوتها كان 'التميمة' التي جعلت ألحاني تعبر الحدود من المحيط إلى الخليج".


تجمع شهادات هؤلاء المبدعين على أن "سر" لطيفة ليس في قوة حنجرتها فحسب، بل في "ثقافة الصوت". فهي تدرك تماماً أبعاد إمكانياتها، وتعرف كيف تختار "الزمن" الذي تظهر فيه، مما جعلها تعبر فوق فجوات التغيير بسلام وهدوء، تاركةً بصمة لا تمحوها سنوات الغياب أو تبدل الأذواق.

إن استمرار لطيفة ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج "معادلة كيميائية" دقيقة تجمع بين الموهبة الفطرية، والذكاء في الإدارة، والشجاعة في التغيير. لقد عبرت لطيفة فجوات الزمان المتسارع لأنها لم تحاول إيقافه، بل اختارت أن تغني له وبصوته، لتظل دائماً ذلك "الحب الهادي" الذي لا يمكن تجاوزه في تاريخ الموسيقى العربية الحديثة.

 

تم نسخ الرابط