ملف خاص .. السينما الإماراتية 2026: من رمال الصحراء إلى السجادة الحمراء.. القصة الكاملة لثورة المبدعين العالمية
تعد السينما الإماراتية في عام 2026 نموذجاً استثنائياً للتحول من "الهواية" و"البدايات الخجولة" إلى صناعة مؤسسية تفرض هيبتها في المحافل الدولية وتنافس بقوة في شباك التذاكر المحلي. هذا التقرير يستعرض ملامح "السينما الجديدة" في دولة الإمارات، وأبرز المخرجين الذين نقلوا الحكاية الإماراتية من حدود الصحراء والبحر إلى شاشات كان وبرلين وتورونتو.
السينما الإماراتية الجديدة: نهضة إبداعية عابرة للحدود
إذا كان عام 1989 قد شهد ولادة أول فيلم إماراتي طويل "عابر سبيل" للمخرج علي العبدول، فإن عام 2026 يمثل "العصر الذهبي الثاني". لم تعد السينما في الإمارات مجرد محاولات فردية، بل أصبحت منظومة متكاملة مدعومة ببنية تحتية عالمية (مثل مدينة دبي للاستوديو و"twofour54" في أبوظبي) ومبادرات حكومية رائدة جعلت من الإمارات الوجهة الأولى للتصوير في الشرق الأوسط.
إذ تتميز السينما الإماراتية الحالية بتجاوزها لـ "سينما التراث" التقليدية، حيث اتجه المبدعون نحو عديد من الأفكار مثل رعب الهوية حيث استخدام مخرجون اماراتيون الأساطير المحلية في قوالب سينمائية حديثة.
ولم تخل الأفلام من الدراما النفسية والغوص في تعقيدات الحياة المعاصرة في المدن الكبرى. كما حرص صناع الأفلام على الإنتاج المشترك والتعاون مع استوديوهات عالمية لضمان جودة تقنية تنافس هوليوود.
أبرز وأشهر المخرجين الإماراتيين الحاليين
شهدت السنوات الأخيرة بزوغ أسماء لم يقتصر نجاحها على الداخل، بل أصبحت ضيفاً دائماً على السجادة الحمراء في المهرجانات الكبرى، ابرز هؤلاء المخرجة نايلة الخاجة سفيرة السينما الإماراتية التي تعتبر أول مخرجة ومنتجة إماراتية، وهي اليوم من أكثر الأسماء تأثيراً، واستطاعت نايلة أن تصل بفيلمها الأحدث "باب" (Baab) إلى العالمية، وهو فيلم روائي طويل تعاونت فيه مع الموسيقار العالمي إيه. آر. رحمان. كما عرضت أعمالها في مهرجان كان السينمائي، وحصدت إشادة دولية عن فيلمها "ثلاثة" (Three) الذي عرض في 2024 و2025، محققاً نجاحاً نقدياً وتجارياً لافتاً في صالات العرض الخليجية.
اما المخرج علي مصطفى فيعتبر رائد السينما التجارية بلمسة فنية ويُلقب بـ "الأب الروحي" للسينما الإماراتية الحديثة بعد فيلمه الشهير "دار الحي" (City of Life). وقد نجح علي مصطفى في وضع السينما الإماراتية على خارطة "الأكشن" والتشويق من خلال فيلم "المختارون" (The Worthy) الذي استحوذت عليه منصة نتفليكس، مما جعله متاحاً لجمهور عالمي في أكثر من 190 دولة. ويركز مصطفى على تقديم دبي كمدينة كوزموبوليتانية، وهو ما جذب اهتمام الموزعين العالميين.
اما المخرجة نجوم الغانم فهي سيدة الوثائقيات الشاعرية ومخرجة وشاعرة استثنائية، تخصصت في توثيق الروح الإماراتية بأسلوب سينمائي فريد. حصدت عشرات الجوائز في مهرجانات مثل مهرجان دبي السينمائي ومهرجان الخليج. وفيلمها "آلات حادة" و"حمامة" يدرسان اليوم في معاهد السينما كنموذج للسينما الوثائقية المبدعة.
وقد مثلت الغانم الإمارات في "دوسلدورف" ومهرجانات أوروبية عديدة، وتعتبر أفلامها مرجعاً فنياً للهوية الوطنية.
يأتي في المقدمة ايضا المخرج نواف الجناحي مخرج "ظل البحر" والذي يعد من أكثر المخرجين دقة في اختيار مواضيعه التي تمس الجانب الإنساني. وفيلمه "ظل البحر" جاب أكثر من 30 مهرجاناً دولياً وكان أول فيلم إماراتي يعرض تجارياً في الولايات المتحدة ودول أخرى. وحاليا يستمر الجناحي في كونه صوتاً سينمائياً مستقلاً يدعم المواهب الشابة من خلال منصات تدريبية متخصصة.
اما المخرج ماجد الأنصاري ملك التشويق فقد دخل العالمية من بوابة الإخراج المتميز في فيلم "زنزانة" (Rattle the Cage) والفيلم وصفته الصحافة العالمية بأنه "تحفة بصرية"، وتم توزيعه عالمياً من قبل شركة Netflix، مما فتح له الأبواب لإخراج حلقات في مسلسلات عالمية وضخمة.
أفلام إماراتية هزت المهرجانات الدولية
لم يعد الحضور الإماراتي شرفياً، بل أصبح منافساً على الجوائز ففيلم "دلما" (Dalma): للمخرج حميد السويدي، الذي عرض في مهرجان البحر الأحمر السينمائي وحصد جوائز في مهرجان العين السينمائي، مسلطاً الضوء على جماليات الجزر الإماراتية برؤية معاصرة.
وايضاً فيلم "خورفكان" الذي حقق رواجاً هائلاً كملحمة تاريخية، وعُرض في منصات ومنتديات سينمائية أوروبية ليعرف العالم بتاريخ المقاومة الإماراتية. اما فيلم "ثوب الشمس" للمخرج سعيد سالمين المري، فقد استمر في حصد الإعجاب في المهرجانات العربية والدولية لقدرته على تقديم دراما إنسانية عميقة.
رغم هذا النجاح، تواجه السينما الإماراتية تحديات تتعلق بـ "شباك التذاكر" أمام الأفلام الهوليودية والمصرية، لكن الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية تهدف إلى جعل السينما مساهماً رئيسياً في الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2031.
لماذا ينجح المخرج الإماراتي عالمياً؟
يعود نجاح المخرج الإماراتي على الساحة العالمية إلى منظومة متكاملة من الدعم والابتكار؛ فالبداية تكمن في البيئة التمكينية التي توفرها لجان الأفلام، مثل لجنة دبي للإنتاج التلفزيوني والسينمائي، التي تمنح المبدعين تسهيلات لوجستية ومالية استثنائية تجعل من تنفيذ المشاريع الضخمة أمراً متاحاً وبأعلى المعايير. كما يلعب التنوع الثقافي الفريد في دولة الإمارات، التي تحتضن أكثر من 200 جنسية، دوراً جوهرياً في صقل رؤية المخرجين، حيث منحهم هذا الانفتاح قدرة على صياغة قصص ذات أبعاد عالمية تلامس مختلف الثقافات. وبالتوازي مع ذلك، ساهم الاعتماد الكلي على أحدث تقنيات التصوير والمونتاج في جعل الفيلم الإماراتي منافساً تقنياً قوياً يتوافق مع متطلبات العرض الدولية.
إن السينما الإماراتية في عام 2026 تمثل نموذجاً للفن الشاب والجريء الذي يطمح للعالمية. وبفضل جهود جيل من المبدعين مثل نايلة الخاجة وعلي مصطفى وماجد الأنصاري، نجحت الأفلام المحلية في التحرر من النطاق الجغرافي المحدود لتصبح سفيراً ثقافياً بامتياز، تنقل قيم المجتمع الإماراتي ورؤيته الحضارية وتطلعاته المستقبلية إلى الجمهور في كل أنحاء العالم، مؤكدة أن الإبداع الإماراتي لا يعرف المستحيل.