قمر الدين.. رحلة مشروب رمضاني عبر العصور من الشام إلى العالم العربي
يُعد مشروب قمر الدين من أشهر المشروبات المرتبطة بشهر رمضان، ويحتل مكانة خاصة على موائد الإفطار في مصر وبلاد الشام والعديد من الدول العربية. ويتميز بمذاقه الغني ولونه المميز، كما يُحضّر أساسًا من المشمش المجفف، مما يجعله مشروبًا ذا قيمة غذائية وتاريخية في آن واحد.
أصل التسمية
تعددت الروايات حول سبب تسمية قمر الدين بهذا الاسم، ولم يجمع المؤرخون على رواية واحدة قاطعة، إلا أن أغلب المصادر تشير إلى ارتباطه ببلاد الشام، خاصة سوريا، حيث اشتهرت بزراعة المشمش وصناعته منذ قرون طويلة.
إحدى الروايات تشير إلى أن الاسم يعود إلى قرية في سوريا كانت تُعرف باسم قريب من "أمر الدين"، ومع مرور الزمن وتحول النطق، أصبح الاسم المتداول "قمر الدين". وتشير روايات أخرى إلى أن المشروب ارتبط بأحد أشهر صانعيه في الشام، وكان يُدعى قمر الدين، ومن هنا اشتهر المنتج باسمه.
روايات اخرى عن اصل التسمية
في إحدى القرى الشامية القديمة، حيث كانت بساتين المشمش تمتد كأنها جزء من الطبيعة نفسها، كان هناك رجل بسيط يُدعى “أمر الدين”. كان فلاحًا شغوفًا بأرضه، يتقن زراعة المشمش وقطفه في موسمه، ولكنه وجد أنها سرعان ما تفسد إذا لم تُستهلك في وقتها، فظل يفكر طويلًا في وسيلة تحفظ هذا المحصول وتبقيه متاحًا على مدار العام، إلى أن قاده التأمل في الشمس، بما تمنحه من نور ودفء، إلى فكرة جديدة.
فبدأ بعصر ثمار المشمش الناضجة، ثم فرد عصيرها على ألواح خشبية ملساء وتركها تحت أشعة الشمس لعدة أيام. ومع مرور الوقت، تحوّل العصير إلى رقائق ذهبية تحتفظ بمذاق المشمش ورائحته المميزة. ولم يكن يدرك آنذاك أن هذه الخطوة ستجعل اسمه مرتبطًا بهذا الابتكار، ليبقى حاضرًا في الذاكرة عبر الزمن.
اصل وجود قمر الدين في التاريخ
يعود تاريخ قمر الدين إلى عهد الخلافة العباسية، العصر الذهبي للحضارة الإسلامية. في الأصل، كان هذا المشروب اللذيذ يُصنع من قشر المشمش، المعروف في اللغة العربية باسم "قمر الدين". كان يُنقع القشر ثم يُحوّل إلى مشروب منعش ولذيذ. ومع مرور الوقت، استُبدل قشر المشمش بمعجون أو هريس المشمش، مما أدى إلى ظهور النسخة الحديثة من المشروب.
كما تذكر رواية تاريخية اخرى أن صناعة قمر الدين ظهرت خلال فترة الدولة الأموية، في ظل ازدهار زراعة المشمش، حيث استُخدمت ثمار المشمش كوسيلة للحفظ عبر تجفيفها، وهو أسلوب تقليدي ساعد على الاحتفاظ بالقيمة الغذائية للفواكه لفترات طويلة. ويُقال إن توزيع المشمش المجفف أو مشروبه كان يتم عند رؤية هلال شهر رمضان، مما عزز ارتباطه بالشهر الكريم، ومن هنا جاء اسمه المرتبط بالقمر والدين.
وتشير بعض الروايات إلى أن المشروب اشتهر في بلاد الشام خلال القرن التاسع الهجري، ثم انتقل إلى مصر وبلاد المغرب مع حركة التجارة والتبادل الثقافي بين المناطق الإسلامية، ليصبح جزءًا أساسيًا من المائدة الرمضانية في هذه البلدان.
هناك أيضًا روايات أخرى أقل انتشارًا تربط أصل قمر الدين بالصين، نظرًا لأن الصين عرفت زراعة المشمش منذ آلاف السنين، وطورت منتجات تعتمد على تجفيفه وحفظه. إلا أن الرواية الشامية تبقى الأكثر تداولًا في المصادر التاريخية العربية.