ترند ريل
رئيس مجلس الإدارة
نور العاشق

العلاقة المدهشة بين صحة الأمعاء والتوتر.. وطرق بسيطة لدعم كليهما

الامعاء
الامعاء

لا يربط كثير من الناس بين التوتر والصحة الهضمية، لكن الأدلة العلمية تشير إلى أن التأثير لا يقتصر على الحالة المزاجية فقط، بل يمتد ليظهر بوضوح داخل الجهاز الهضمي أيضًا. وتشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى وجود ما يُعرف بمحور الدماغ والأمعاء، وهو الرابط الذي يفسر العلاقة بين صحة الجهاز الهضمي ومستويات التوتر.

أولًا: ما هو محور الدماغ والأمعاء؟

محور الدماغ والأمعاء ليس مسارًا واحدًا، بل هو شبكة تواصل ثنائية الاتجاه بين الجهاز الهضمي والجهاز العصبي المركزي. هذا النظام يسمح للدماغ بتنظيم عملية الهضم، وفي المقابل يرسل الجهاز الهضمي إشارات تؤثر على المزاج والاستجابة للتوتر.

تلعب العصب الحائر دورًا أساسيًا في هذا التواصل، حيث يُعد المسار الأكثر مباشرة بين الدماغ والأمعاء. كما يحتوي الجهاز الهضمي على نظام عصبي مستقل يُعرف بالجهاز العصبي المعوي، ويُشار إليه أحيانًا بـ “الدماغ الثاني”، إذ يضم أكثر من 100 مليون خلية عصبية تساعد في التحكم في عمليات الهضم اليومية مثل حركة الطعام داخل المعدة والأمعاء، وإفراز الإنزيمات، وامتصاص العناصر الغذائية، وتنظيم حركة الأمعاء.

ثانيًا: كيف يظهر التوتر في الجهاز الهضمي؟

عند التعرض للتوتر، لا يظل تأثيره نفسيًا فقط، بل يؤدي إلى سلسلة من التغيرات الفسيولوجية داخل الجهاز الهضمي. حيث تؤثر هرمونات التوتر مثل الكورتيزول وهرمون CRH على طريقة عمل الجهاز الهضمي، فتدفع الجسم إلى تقليل نشاط الهضم مؤقتًا والتركيز على الاستجابة الطارئة.

في حالات التوتر الحاد، قد تظهر عدة أعراض مثل بطء إفراغ المعدة، زيادة نشاط القولون، الغثيان، فقدان الشهية، التقلصات، أو الإسهال. كما قد يشعر البعض بما يُعرف بإحساس “الفراشات” في المعدة عند التوتر أو القلق.

إضافة إلى ذلك، تؤثر الحالة النفسية على المواد الكيميائية المرتبطة بالمزاج داخل الجهاز الهضمي. فالبكتيريا النافعة في الأمعاء تساهم في إنتاج بعض النواقل العصبية مثل الدوبامين، وعند اختلال توازنها نتيجة التوتر قد تنخفض مستوياته، مما يؤثر على حركة الأمعاء ويزيد من الالتهابات ويؤثر على المزاج في الوقت نفسه.

كما أن جزءًا كبيرًا من هرمون السيروتونين، الذي يرتبط بتحسين المزاج، يتم إنتاجه في الأمعاء، ولذلك فإن أي اضطراب في الجهاز الهضمي قد ينعكس على الحالة النفسية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي التوتر إلى زيادة نفاذية جدار الأمعاء، وهي حالة يُشار إليها أحيانًا باسم “تسرب الأمعاء”، حيث تضعف الحاجز المعوي ويسمح بمرور مواد مهيجة إلى مجرى الدم، مما يزيد من الالتهابات.

ثالثًا: العلاقة بين التوتر ومتلازمة القولون العصبي

الأشخاص المصابون بمتلازمة القولون العصبي يكونون أكثر حساسية لتأثير التوتر. وهذه الحالة تُعد من اضطرابات التفاعل بين الدماغ والأمعاء، وتؤثر على حركة الأمعاء وحساسيتها، مما يؤدي إلى أعراض مثل آلام البطن، الانتفاخ، وتغيرات في نمط الإخراج.

يمكن للتوتر أن يفاقم هذه الأعراض حتى في غياب أي تلف عضوي في الأمعاء. فقد يؤدي إلى تسريع حركة الأمعاء لدى بعض الأشخاص أو إبطائها لدى آخرين، كما يزيد من حساسية الأعصاب داخل الجهاز الهضمي، مما يجعل الإحساس بالانزعاج أقوى من الطبيعي.

كما أن التوتر يجعل الشخص أكثر انتباهًا للإشارات الهضمية الطبيعية مثل الغازات أو حركة الأمعاء، مما يزيد من الإحساس بعدم الراحة. وغالبًا ما ترتبط فترات التوتر الشديد بتفاقم أعراض القولون العصبي، لذلك فإن العلاج الفعّال عادة ما يتطلب التعامل مع كل من الجهاز الهضمي والحالة النفسية معًا.

رابعًا: تأثير ميكروبيوم الأمعاء على التوتر

ميكروبيوم الأمعاء هو مجتمع البكتيريا الموجودة داخل الجهاز الهضمي، وله دور مهم في تنظيم الهرمونات المرتبطة بالتوتر مثل الكورتيزول، بالإضافة إلى المساهمة في إنتاج مواد كيميائية عصبية تؤثر على المزاج مثل السيروتونين.

عند توازن هذا النظام، يساعد على دعم الحالة النفسية وتنظيم استجابة الجسم للتوتر. أما عند اختلاله، وهي حالة تُعرف باسم خلل الميكروبيوم، فقد يرتبط ذلك بزيادة القلق، الاكتئاب، وضعف القدرة على التحكم في الاستجابة العاطفية.

وتشير بعض الملاحظات إلى أن العلاقة بين التوتر والبكتيريا النافعة في الأمعاء متبادلة، حيث يمكن للتوتر أن يؤثر على تركيبة هذه البكتيريا ووظائفها، بينما تتأثر أيضًا بعوامل أخرى مثل النظام الغذائي، والنوم، والمضادات الحيوية، والحالة الصحية العامة.

خامسًا: كيف يمكن دعم صحة الأمعاء وتقليل تأثير التوتر؟

تلعب التغذية دورًا مهمًا في دعم محور الدماغ والأمعاء. ومن بين العناصر الغذائية المفيدة:

1. الأطعمة المخمرة

تحتوي الأطعمة المخمرة على بكتيريا نافعة تساعد في تحسين صحة الأمعاء، مثل الزبادي والكيمتشي ومخلل الملفوف والكومبوتشا. ويمكن إدخالها بكميات صغيرة تدريجيًا حسب تحمل الجسم.

2. الألياف الغذائية

تُعد الألياف من العناصر الأساسية لصحة الجهاز الهضمي، كما تساهم في دعم التوازن النفسي بشكل غير مباشر من خلال تغذية البكتيريا النافعة في الأمعاء.

تعمل هذه البكتيريا على إنتاج مركبات تساعد في تقليل الالتهاب وتنظيم الإشارات بين الأمعاء والدماغ، مما يساهم في تهدئة الجهاز العصبي.

يوصى عادة بتناول الألياف من مصادر متنوعة مثل الفواكه والخضروات والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسرات والبذور والأعشاب.

كما يُفضل تنويع النظام الغذائي ليشمل عددًا كبيرًا من أنواع النباتات أسبوعيًا، لأن التنوع الغذائي يرتبط بتنوع أفضل في ميكروبيوم الأمعاء، وهو ما ينعكس إيجابيًا على الصحة الهضمية والنفسية.

تم نسخ الرابط