ترند ريل
رئيس مجلس الإدارة
نور العاشق

اليوم غير المرئي.. عادة بسيطة قد تحميك من الإرهاق والاحتراق النفسي

اليوم غير المرئي
اليوم غير المرئي

أصبح الشعور بالتشتت بين رسائل البريد الإلكتروني، والإشعارات المتواصلة، والرسائل النصية، وقوائم المهام جزءًا من الحياة اليومية للكثيرين، حتى إن كثيرًا من الأشخاص لا يدركون حجم التأثير الذي يتركه هذا التدفق المستمر للمعلومات على صحتهم النفسية. ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا السيل من التنبيهات إلى الشعور بالإرهاق الذهني، أو التحفيز الزائد، وفي بعض الحالات إلى الاحتراق النفسي.

وفي ظل هذا الواقع، برز مفهوم جديد نسبيًا في مجال العافية والصحة النفسية يُعرف باسم "اليوم غير المرئي" (Invisible Day)، وهو ممارسة تهدف إلى منح العقل والجسم فرصة للراحة واستعادة التوازن بعيدًا عن الضغوط الخارجية.

ما هو اليوم غير المرئي؟

يقوم مفهوم "اليوم غير المرئي" على تخصيص 24 ساعة كاملة ينقطع خلالها الشخص عن وسائل التواصل والاتصال المعتادة، بحيث يصبح غير متاح للرد على الرسائل أو المكالمات أو أي مطالب خارجية، مع التركيز الكامل على الراحة والعناية بالنفس.

ولا يعني ذلك تجاهل المسؤوليات أو قطع العلاقات مع الآخرين بشكل مفاجئ، وإنما هو توقف منظم ومؤقت يمنح الشخص فرصة للابتعاد عن الضغوط اليومية واستعادة نشاطه الذهني والنفسي.

ويرى المتخصصون أن هذا اليوم يختلف عن مجرد إغلاق الهاتف، إذ يتضمن الابتعاد عن الأدوار الاجتماعية المعتادة، وإيقاف الشعور الدائم بضرورة الإنجاز أو الاستجابة للآخرين، بحيث تصبح الأولوية القصوى للعناية بالنفس، سواء تم قضاء اليوم بمفردك أو مع أشخاص مقربين في أجواء هادئة.

الفوائد المحتملة لليوم غير المرئي

يشير خبراء الصحة النفسية إلى أن تخصيص يوم بعيدًا عن الضغوط الرقمية قد ينعكس إيجابيًا على الصحة النفسية والجسدية بطرق متعددة.

منح الجهاز العصبي فرصة للتعافي

التواجد المستمر على الإنترنت والاستعداد الدائم للاستجابة للإشعارات يضع الجسم في حالة يقظة مستمرة، حتى وإن لم يشعر الشخص بذلك بشكل مباشر.

وعند الانقطاع المؤقت عن وسائل الاتصال، يبدأ الجهاز العصبي في التخلص من حالة التأهب المستمرة، وهو ما قد يساهم في تقليل مستويات التوتر وخفض هرمون الكورتيزول، مما يساعد الجسم على الدخول في مرحلة التعافي.

كما أن هذه الراحة قد تحسن القدرة على التفكير بوضوح، وتمنح الشخص رؤية أكثر هدوءًا لحياته، وقد تساهم أيضًا في تقليل بعض المشكلات الجسدية المرتبطة بالإجهاد المزمن.

ومن العلامات التي قد تشير إلى الحاجة لمثل هذه الراحة الشعور بالإرهاق الدائم، وسرعة الانفعال، وصعوبة التركيز، وهي أعراض ترتبط غالبًا بالاحتراق النفسي.

استعادة التواصل مع الذات

الابتعاد عن متابعة الأخبار والمنشورات والرسائل باستمرار يتيح مساحة للتأمل في الاحتياجات والرغبات الشخصية بعيدًا عن تأثير الآخرين.

فعندما يتوقف الشخص مؤقتًا عن الاستجابة لمطالب المحيطين به، يصبح أكثر قدرة على التعرف إلى مشاعره الحقيقية، وما يريده بالفعل، الأمر الذي يعزز الوعي الذاتي ويساعد على اتخاذ قرارات تتوافق مع أولوياته وقيمه الشخصية.

تعزيز الشعور بقيمة الذات

يربط كثير من الأشخاص قيمتهم الشخصية بمدى سرعة استجابتهم للآخرين أو استمرار وجودهم الدائم لخدمة من حولهم.

إلا أن تخصيص يوم غير مرئي يساعد على ترسيخ فكرة أن قيمة الإنسان لا تعتمد على كونه متاحًا طوال الوقت، وإنما على وجوده ذاته، وهو ما قد يعزز الثقة بالنفس ويخفف الضغوط الناتجة عن الشعور المستمر بضرورة تلبية توقعات الآخرين.

كما يمنح هذا اليوم مساحة للتعبير عن الذات بصورة طبيعية بعيدًا عن الأحكام الاجتماعية أو الرغبة في إرضاء الجميع.

تنشيط الإبداع

تشير الدراسات إلى أن الابتعاد عن الضغوط اليومية وقضاء الوقت في بيئة هادئة قد يساهم في تحفيز التفكير الإبداعي.

وتساعد بعض الأنشطة الهادئة، مثل التأمل، والمشي البسيط، وقضاء الوقت في الطبيعة، على تنشيط موجات "ألفا" في الدماغ، وهي موجات ترتبط بحالات الاسترخاء والتأمل، وتوفر بيئة مناسبة لظهور أفكار جديدة وتعزيز الإبداع.

كيف يمكن الاستفادة القصوى من اليوم غير المرئي؟

لتحقيق أقصى استفادة من هذه التجربة، ينصح الخبراء باتباع مجموعة من الخطوات العملية.

تنظيم استخدام الأجهزة الإلكترونية

يفضل تفعيل وضع الطيران في الهاتف أو إبعاده تمامًا، مع إعداد رد تلقائي للبريد الإلكتروني إذا لزم الأمر، بالإضافة إلى إيقاف الإشعارات المختلفة وإنجاز أي مدفوعات أو مهام إلكترونية ضرورية مسبقًا حتى لا تتحول إلى مصدر للقلق أثناء اليوم.

إبلاغ المقربين مسبقًا

رغم أن الهدف هو الابتعاد عن التواصل، فإن إبلاغ أفراد الأسرة أو الأصدقاء المقربين مسبقًا بخطة اليوم يمنح الجميع شعورًا بالطمأنينة، ويضمن احترام هذه المساحة الشخصية دون إثارة القلق أو سوء الفهم.

كما أن معرفة الشخص بأن من حوله يدعمون هذه الخطوة يعزز إحساسه بالأمان ويزيد من استفادته النفسية منها.

ممارسة أنشطة تساعد على الاسترخاء

لا يرتبط اليوم غير المرئي بالإنتاجية أو إنجاز المهام، بل يهدف إلى الراحة.

لذلك يمكن استغلال الوقت في القراءة، أو النوم، أو المشي، أو الجلوس في هدوء، أو ممارسة أي نشاط يمنح الشعور بالراحة دون ضغوط أو أهداف محددة.

كما يشجع الخبراء على ممارسة اللعب أو الهوايات الترفيهية التي لا ترتبط بالمنافسة أو الإنجاز، لأن الهدف منها هو الاستمتاع واستعادة الشعور بالمرونة الذهنية.

التحرك ببطء وإضافة نشاط بدني خفيف

ينصح أيضًا بالحفاظ على إيقاع هادئ طوال اليوم، مع ممارسة بعض الأنشطة الحركية البسيطة مثل المشي، أو تمارين الإطالة، أو الرقص الهادئ، أو الاعتناء بالحديقة، أو ممارسة الرسم والأعمال الفنية.

وتساعد هذه الأنشطة الجسم على التخلص من آثار التوتر، وتعزز الشعور بالأمان، كما تزيد القدرة على مواجهة الضغوط على المدى الطويل.

من هم الأشخاص الذين قد لا يناسبهم اليوم غير المرئي؟

رغم الفوائد المحتملة لهذه الممارسة، فإنها قد لا تكون مناسبة للجميع.

فالأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب أو الاحتراق النفسي الشديد قد يجدون أن العزلة المؤقتة تزيد من شعورهم بالانسحاب أو الانغلاق النفسي، خاصة إذا كانوا يفتقرون إلى الدعم الاجتماعي.

وفي حال شعر الشخص أثناء هذا اليوم بمزيد من الحزن أو الاستياء بدلًا من الهدوء والراحة، فقد يكون ذلك مؤشرًا على الحاجة إلى مراجعة نمط حياته أو طلب المساعدة من طبيب أو معالج نفسي أو أحد المتخصصين في الرعاية الصحية النفسية.

هل يستحق التجربة؟

يرى خبراء الصحة النفسية أن "اليوم غير المرئي" ليس وسيلة للهروب من المسؤوليات، وإنما فرصة لإعادة شحن الطاقة الذهنية والجسدية، واستعادة التوازن في ظل الحياة الرقمية المتسارعة.

وقد يكون تخصيص يوم واحد بين الحين والآخر بعيدًا عن الشاشات والإشعارات والالتزامات المستمرة وسيلة فعالة لتحسين الصحة النفسية، بشرط أن يتم بطريقة متوازنة، مع مراعاة الظروف الشخصية لكل فرد وعدم إهمال المسؤوليات الأساسية أو الحاجة إلى الدعم النفسي عند الضرورة.

تم نسخ الرابط