«ما وراء دور العرض السينمائية».. فريق «زاوية» يستعرض كواليس العمل وتحديات استمرارية السينما المستقلة ضمن فعاليات ميدفست مصر
محمد سعيد: نجاح «زاوية» قائم على فريق متكامل يتعلم ويطوّر نفسه باستمرار، وإدارة السينما تتطلب أدوارًا فنية وإدارية وتقنية متعددة.
نعمة خالد: مسؤولة الشراكات تهدف إلى دعم البرامج والفعاليات وضمان استدامة «زاوية»، إلى جانب استغلال مساحة السينما في إقامة أنشطة متنوعة.
أحمد حسين: تشغيل أفلام الـ35 ملليمتر يحتاج إلى عناية مستمرة بالنسخ وآلات العرض، بينما يختلف الأمر تقنيًا مع التحول إلى العرض الرقمي.
مينا النجار: جمهور «زاوية» يشعر بأن السينما تخصه، والفريق العامل بها هو صاحب التأثير الحقيقي في استمرار التجربة وانتشارها.

أقيمت ضمن فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان ميدفست مصر، ندوة بعنوان «ما وراء دور العرض السينمائية»، بحضور فريق سينما «زاوية»، ممثلًا في محمد سعيد، مدير سينما «زاوية»، ونعمة خالد مسؤولة التسويق والشراكات وأحمد حسين مشغل آلات العرض السينمائي، وأدار الندوة أحمد نبيل.

واستهل نبيل اللقاء بتوجيه الشكر إلى مهرجان ميدفست مصر على تنظيم الندوة، ثم طلب من ضيوفها التعريف بأنفسهم والحديث عن بداياتهم في عالم السينما. وأوضح محمد سعيد أنه بدأ العمل في مجال السينما التجارية، حيث اكتسب خبرة امتدت لخمس سنوات، قبل أن ينتقل إلى «زاوية»، مشيرًا إلى أن حبه للأفلام بدأ منذ الصغر، وأن فرصة العمل في إحدى دور العرض كانت نقطة انطلاقه الأولى في هذا المجال.
وأضاف سعيد أنه بدأ في مشاهدة الأفلام والتدرب على تجميعها، قبل أن ينتقل إلى العمل في «نيو سينشري»، ثم جاءت الشراكة مع «زاوية»، التي أتاحت له التعرف إلى عالم مختلف من السينمائيين. ولفت إلى أن أحد أهم أسباب نجاح «زاوية» يتمثل في طبيعة فريق العمل، قائلًا إن الإدارة لا تقوم على احتكار الخبرة أو حجب المعلومات، وإنما على تدريب أعضاء الفريق وتشجيعهم على التعلم والبحث واكتشاف عوالم جديدة بأنفسهم.
وأشار إلى أن كل فرد في فريق «زاوية» يستطيع القيام بمهام متعددة، مؤكدًا أن أعضاء الفريق تعلموا منه وطوّروا أنفسهم، ولم يعودوا ينتظرون توجيهًا مباشرًا في كل خطوة. كما أعرب عن أمله في مواكبة التطورات التقنية في مجال السينما الرقمية، موضحًا أنه شاهد خلال إحدى رحلاته الأخيرة تقنيات جديدة يتمنى أن تتوافر في «زاوية».
ومن جانبه، أوضح أحمد نبيل أن تجربة «زاوية» لا تقتصر على عرض الأفلام، وإنما تشمل مجموعة من الفعاليات والأنشطة الموازية التي تكمل برنامج العروض السينمائية. وأشار إلى أن نموذج «سينما الفن والتجربة» معروف في أوروبا منذ سنوات، إلا أن «زاوية» أصبحت في مصر المعادل الأكثر حضورًا لهذا النوع من السينما، حتى بات الجمهور يربط الأفلام غير التجارية باسمها.
وانتقلت الندوة إلى نعمة خالد، التي تحدثت عن بدايات علاقتها بـ«زاوية»، موضحة أنها كانت ترتاد مقر السينما القديم خلال دراستها الثانوية، بحثًا عن أفلام لم تكن تجدها إلا عبر الإنترنت. وقالت إن «زاوية» كانت بالنسبة إليها في البداية مجرد مكان يعرض أفلامًا مختلفة، دون أن تدرك طبيعة المجتمع السينمائي الذي تقف وراءه أو حجم الأنشطة والفعاليات التي ينظمها.
وأضافت خالد أنها تعرفت إلى «بانوراما الفيلم الأوروبي» من خلال إعلان عن فتح باب التطوع، فقررت التقدم للمشاركة رغم عدم معرفتها بأفراد فريق العمل آنذاك. وأوضحت أنها بدأت رحلتها متطوعة ضمن فعاليات البانوراما، ثم انتقلت في العام التالي إلى فريق التواصل الاجتماعي، وشاركت في تنظيم الفعاليات والأنشطة المختلفة، حتى تولت لاحقًا مسؤولية الشراكات في «زاوية».
وحول طبيعة عملها، أشارت خالد إلى أن مسؤولية الشراكات تتقاطع جزئيًا مع البرمجة، لكنها تختلف عنها في المهام الأساسية. وأوضحت أن فريق البرمجة يضع الأفكار والبرامج، بينما تتولى هي البحث عن الجهات والأطراف التي يمكن التعاون معها لدعم هذه البرامج وتنفيذها، سواء كانت عروضًا للأفلام القصيرة أو فعاليات ضمن «بانوراما الفيلم الأوروبي» أو غيرها من الأنشطة.
وأكدت أن هذا الدور يرتبط بصورة مباشرة باستدامة «زاوية»، موضحة أن السينما لا تستطيع تنفيذ جميع برامجها بصورة منفردة، وأن كل فعالية تحتاج إلى دعم وشراكات تساعد على استمرارها. وأضافت أن عملها يشمل كذلك إدارة تأجير قاعات السينما، مشيرة إلى أن «زاوية» تستضيف فعاليات خاصة وعروضًا مغلقة وأنشطة لا تكون سينمائية بالضرورة، لكنها تستفيد من المكان باعتباره مساحة قابلة للاستخدام في أغراض متعددة.
وفي هذا السياق، لفت نبيل إلى أن إقامة الفعاليات والشراكات طوال العام تمثل تحديًا أكبر من تنظيم مهرجان يقام مرة واحدة سنويًا، مؤكدًا أن الأفكار المختلفة وخارج الصندوق تساهم في استمرار «زاوية» وإتاحة مشاهدة الأفلام الجيدة في وسط القاهرة.
وتطرق الحديث إلى أحمد حسين، المعروف باسم «بندق»، الذي تحدث عن بداياته في مجال تشغيل آلات العرض. وقال إنه بدأ العمل في السينما منذ سنوات، بعدما أخبره أحد أصدقائه بوجود فرصة عمل في سينما صيفية بشارع الهرم. وأوضح أنه دخل المجال معتقدًا أن عمله سيقتصر على قطع التذاكر، لكنه فوجئ بأنه سيعمل داخل غرفة العرض ويتعامل مع آلات عرض أفلام الـ35 ملليمتر.
وأشار حسين إلى أنه شعر بالخوف في البداية من حجم الآلة وارتفاع صوتها، لكنه قرر خوض التجربة، موضحًا أن يومه الأول شهد أخطاء عدة، من بينها قطع الفيلم أثناء العرض. وأضاف أنه تعلم تدريجيًا على يد أحد العاملين ذوي الخبرة، حتى أصبح قادرًا على تجميع الفيلم وتشغيله على آلة العرض، مؤكدًا أن التعامل مع أفلام الـ35 ملليمتر يتطلب مهارة خاصة وعناية مستمرة.
وأوضح أن نظافة آلة العرض والتروس من العوامل الأساسية للحفاظ على جودة الصورة والصوت، لافتًا إلى أن الفيلم في هذه الحالة يبدو كأنه كائن حي يحتاج إلى رعاية مستمرة. وأضاف أن إهمال تنظيف الآلة أو متابعة حالة النسخة قد يؤدي إلى تدهور جودة العرض أو تلف المادة الفيلمية.
وتحدث حسين عن انتقاله إلى العمل في «نيو سينشري»، ثم في سينما «كريم» بعماد الدين، قبل أن ينضم إلى فريق «زاوية» عام 2018. وأوضح أن انتقاله جاء بعد اختيار عدد من العاملين لاستكمال العمل مع «زاوية»، مشيرًا إلى أن طبيعة العمل الجديدة لم تكن تقبل بعض الممارسات التي كانت موجودة في السينما التجارية، مثل الاعتماد على البقشيش أو التعامل غير المنضبط مع الجمهور.
ومن جانبه، كشف محمد سعيد أن حسين كان يعمل في موقعين تابعين لـ«نيو سينشري»، وأنه طلب من إدارة التشغيل اختياره للعمل بصورة كاملة مع فريق «زاوية»، مشيدًا بمهارته وحرصه على أداء عمله. وأكد سعيد أن حسين أصبح من أهم العناصر المسؤولة عن الجانب التقني في السينما، ووصفه بأنه من أمهر مشغلي آلات العرض في مصر حاليًا.
وأوضح سعيد أن إدارة السينما تقوم على ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها إدارة فريق العمل وتحقيق الانسجام بين أفراده، وثانيها الجانب الإداري المرتبط بالتعامل مع الجهات الحكومية والرقابية وإجراءات التراخيص والتأمينات والدفاع المدني والأمن الصناعي، إلى جانب كل المتطلبات اللازمة لتشغيل دار عرض تستقبل الجمهور.
وأضاف أن المحور الثالث يتمثل في الجانب التقني، موضحًا أن هذا الدور كان يقع على عاتقه بصورة أكبر خلال السنوات الأولى، خصوصًا مع كثرة الفعاليات والمهرجانات والعروض الموازية التي تستضيفها «زاوية». وأشار إلى أن سياسة السينما تقوم على عدم عرض أي فيلم قبل مشاهدته واختباره تقنيًا، للتأكد من سلامة الصوت والصورة والنسخة المعروضة، ومعالجة أي مشكلات قبل وصول الفيلم إلى الجمهور.
ولفت سعيد إلى أن «زاوية» تستقبل خلال فعاليات «بانوراما الفيلم الأوروبي» عددًا كبيرًا من الأفلام، ما يتطلب الاستعداد للعروض قبل موعدها بفترة طويلة، والتواصل مع صناع الأفلام للحصول على المفاتيح الرقمية اللازمة لتشغيل النسخ واختبارها. وأكد أن إتاحة الفرصة لصناع الأفلام لمشاهدة نسخهم قبل العرض الجماهيري أمر مهم، لأنه يسمح باكتشاف المشكلات التقنية وحلها مبكرًا.
وقارن سعيد بين طبيعة العمل في السينما التجارية والعمل داخل «زاوية»، موضحًا أن دور العرض التجارية تتلقى النسخ من الموزعين وتقوم بتشغيلها، بينما تحاول «زاوية» البحث عن حلول تقنية لأي مشكلة قد تظهر في النسخة أو وحدة التخزين أو نظام العرض، قبل اتخاذ قرار بعرض الفيلم.
كما تحدث عن طبيعة العلاقة مع جمهور «زاوية»، مشيرًا إلى أن الجمهور يختلف في توقعاته وطريقة تفاعله، وأن السينما تحرص على تقديم تجربة مشاهدة متكاملة، من بينها عدم قطع الفيلم بفاصل أثناء العرض. وأوضح أن إدارة المكان تتعامل مع الجمهور باعتباره شريكًا في التجربة، وأن ردود الأفعال الإيجابية والسلبية تساعد الفريق على تطوير الخدمة وتحسين الأداء.
وأشار إلى أن من قواعد «زاوية» عدم السماح بدخول العرض بعد مرور ربع ساعة، موضحًا أن تطبيق هذه القاعدة قد يسبب بعض المواقف، إلا أن الجمهور غالبًا ما يتفهمها ويساعد الفريق على تنظيم العروض. واستعاد موقفًا شهدته السينما خلال إحدى فعاليات «بانوراما الفيلم الأوروبي»، حين ساعد الجمهور فريق العمل في إرشاد المشاهدين إلى مقاعدهم خلال عرض كامل العدد، مؤكدًا أن هذا التفاعل يمثل أحد أهم أسباب استمرار «زاوية» طوال هذه السنوات.
وتطرق سعيد إلى تأثير موقع «زاوية» في شارع عماد الدين، موضحًا أن الانتقال إلى سينما «كريم» أتاح للسينما الوصول إلى جمهور جديد من رواد المنطقة، إلى جانب جمهورها الأصلي من صناع الأفلام والمهتمين بها. وأضاف أن فريق العمل يحرص على شرح فكرة «زاوية» لكل من يدخل المكان للمرة الأولى، بهدف تعريف الجمهور بتجربتها واستقطاب فئات جديدة.
وأكد أن بعض رواد المنطقة أصبحوا من جمهور «زاوية» الدائم، بينما يظل آخرون غير مدركين لطبيعة الأفلام التي تعرضها السينما. وأشار إلى أن إعادة عرض بعض الأفلام القديمة، ومن بينها أفلام يوسف شاهين وغيرها، ساهمت في جذب عائلات وجمهور يبحث عن الحنين إلى الماضي، لافتًا إلى أن عرض فيلم «حب البنات» مثل نقطة تحول في طبيعة العلاقة بين السينما وجمهورها.
وأوضح سعيد أن استمرار «زاوية» يتطلب برنامجًا متجددًا وفعاليات متواصلة، لأن غياب الأنشطة قد يؤدي إلى حالة من الركود. وأضاف أن وجود فريق متخصص في البرمجة وتنظيم الفعاليات يساعد على الحفاظ على حيوية المكان، مؤكدًا أن السينما تسعى باستمرار إلى تقديم تجارب جديدة لجمهورها.
وعاد نبيل إلى الحديث مع حسين حول الفارق بين تشغيل أفلام الـ35 ملليمتر والعروض الرقمية، ومدى استمرار شعوره بالقلق أثناء العرض. فأوضح حسين أن العرض الرقمي يصبح أكثر استقرارًا بعد إجراء الاختبار الأول والتأكد من سلامة الصوت والصورة، إلا إذا حدث عطل خارجي، مثل انقطاع التيار الكهربائي أو وجود مشكلة في آلة العرض.
وأشار إلى أن أفلام الـ35 ملليمتر تحتاج إلى متابعة دقيقة، نظرًا إلى أن النسخة تكون مقسمة إلى فصول متصلة بلحامات، وقد تتعرض للشد أو القطع أثناء التشغيل أو إعادة لف الفيلم. وأكد أن العناية بالمادة الفيلمية وفحصها بصورة مستمرة يمثلان العامل الأساسي لتجنب المشكلات، رغم أن تشغيل أفلام الـ35 ملليمتر يظل بالنسبة إليه تجربة ممتعة ومختلفة عن العرض الرقمي.
وفي ختام الندوة، تحدث مينا النجار، رئيس مهرجان ميدفست مصر، عن أسباب ارتباط الجمهور بسينما «زاوية»، موضحًا أن روادها يشعرون بأن المكان يخصهم، وهو أمر لا يحدث بصورة معتادة في دور العرض الأخرى. وأشار إلى أن العلاقة بين الجمهور وفريق «زاوية» تبدأ منذ لحظة الدخول إلى السينما، من العاملين على شباك التذاكر وحتى فريق البرمجة والتشغيل.
وأكد النجار أن التأثير الحقيقي لتجربة «زاوية» يعود إلى فريق العمل الذي يقف وراءها، مشيدًا بجهود محمد سعيد وجميع العاملين في السينما، وكذلك بالشراكات والبرامج والعروض التي ساهمت في دعم صناع الأفلام والمهتمين بالصناعة. وأضاف أن «زاوية» قدمت مساحة مهمة لمشاهدة الأفلام المختلفة، وأسهمت في خلق جمهور جديد للسينما المستقلة.
ووجه النجار الشكر إلى فريق «زاوية» وكل من ساهم في استمرار التجربة، مؤكدًا أن ما تحقق على مدار السنوات الماضية يمثل جهدًا جماعيًا يستحق التقدير، وأن السينما أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لجمهورها، ومكانًا يرتبط به العاملون في المجال ومحبو الأفلام على حد سواء.