جدة.. "عروس البحر الأحمر" قصة مدينة عمرها آلاف السنين على قائمة اليونسكو
بعيدًا عن ناطحات السحاب الحديثة في المملكة العربية السعودية، تكشف مدينة جدة عن وجه آخر يجمع بين التاريخ والثقافة والعمارة الفريدة. ففي قلبها تقع جدة التاريخية (البلد)، التي تُعرف بلقب "عروس البحر الأحمر"، وتُعد واحدة من أبرز المواقع التراثية في المنطقة، حيث تمتزج الأزقة القديمة بروائح القهوة العربية والعود، وتروي المباني المرجانية حكايات قرون من التجارة والحج.
بوابة الحجاج إلى مكة المكرمة
تعود جذور جدة التاريخية إلى آلاف السنين، إذ كانت محطة مهمة على طرق التجارة البحرية منذ نحو 3000 قبل الميلاد، قبل أن تزداد أهميتها بشكل كبير في القرن السابع الميلادي عندما أصبحت الميناء الرسمي لمكة المكرمة.
ومنذ ذلك الحين، استقبلت المدينة ملايين الحجاج القادمين بحرًا من مختلف أنحاء العالم لأداء مناسك الحج، لتتحول إلى ملتقى حضاري وثقافي جمع بين التجار والزوار من ثقافات متعددة، وهو ما انعكس على طابعها العمراني والاجتماعي.

عمارة مرجانية تميز جدة عن غيرها
أُدرجت جدة التاريخية على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2014، وتشتهر بطراز معماري فريد لا يشبه أي مدينة أخرى في المنطقة.
وتتميز مبانيها التاريخية، التي يصل ارتفاع بعضها إلى أربعة أو خمسة طوابق، بأنها شُيدت باستخدام الأحجار المرجانية المستخرجة من شعاب البحر الأحمر، وهو ما ساعد على توفير عزل طبيعي يحافظ على برودة المباني في الأجواء الحارة.
كما تشتهر هذه المنازل بشرفاتها الخشبية المزخرفة المعروفة باسم "الرواشين"، والتي لا تقتصر أهميتها على الجانب الجمالي، بل صُممت أيضًا لالتقاط نسمات الهواء وتوفير تهوية طبيعية داخل المنازل. وتختلف تصاميم الرواشين من منزل لآخر، حتى أصبحت أحد أبرز الرموز المعمارية لمدينة جدة التاريخية.

أسواق ومساجد نابضة بالحياة
ورغم قيمتها التاريخية، لا تزال جدة التاريخية منطقة حية تعج بالحركة اليومية، حيث يمكن للزوار التجول في سوق العلوي، أحد أقدم الأسواق في المملكة، الذي يشتهر ببيع المنسوجات والتمور والتوابل والعطور التقليدية.
كما يضم الحي عددًا من المساجد التاريخية، أبرزها مسجد الشافعي بمئذنته التي يزيد عمرها على 800 عام، إلى جانب المقاهي الشعبية والمخابز التقليدية التي ما زالت تحافظ على طابعها التراثي.

منازل تاريخية تحولت إلى مراكز ثقافية
لم تعد البيوت التاريخية مجرد معالم أثرية، إذ فُتح العديد منها أمام الزوار بعد ترميمها، لتتحول إلى متاحف ومراكز ثقافية تستضيف ورشًا فنية وأمسيات موسيقية وفعاليات تراثية، ومن أبرزها بيت نصيف الذي أصبح مركزًا ثقافيًا ومتحفًا يوثق تاريخ المدينة.
كما يروي متحف البحر الأحمر تاريخ جدة البحري ودورها كميناء رئيسي على مدار قرون.

جهود لإحياء جدة التاريخية
تواصل المملكة تنفيذ مشاريع واسعة للحفاظ على جدة التاريخية من خلال برنامج جدة التاريخية التابع لوزارة الثقافة، والذي يهدف إلى ترميم المباني التراثية، ودعم الحرفيين ورواد الأعمال، وإحياء الحياة الثقافية عبر الفعاليات والمعارض.
وتشمل الخطط أيضًا مشروعًا لإعادة ربط المنطقة التاريخية بالبحر الأحمر عبر إنشاء مراسٍ ومساحات خضراء، بما يعيد المشهد التاريخي الذي عُرفت به المدينة قديمًا.
وجهة تجمع بين التراث والثقافة
بفضل تاريخها العريق، وعمارتها المرجانية الفريدة، وأسواقها التقليدية، وفعالياتها الثقافية، تظل جدة التاريخية واحدة من أبرز الوجهات التراثية في المملكة العربية السعودية، ونافذة مفتوحة على تاريخ امتد لأكثر من ألف عام، لتبقى بحق "عروس البحر الأحمر" التي تجمع بين الأصالة والحياة المعاصرة.